أبو سعد بن أبي علي كاتب بغدادي ( ابن الموصلايا )

392

رسائل أمين الدولة ابن الموصلايا

وأمره أن يتثبّت في الحدود إذا وجبت ، ويستظهر فيها بأعدل الشّهادة التي أحمدت المطالب ما وجدت ، فإذا وضحت البيّنات وصحّت ، وهمت سحب الأدلة وسحّت ، أمضى ما يبيحه الشرع من غير أن يأخذه بمسيء رأفة ، أو يتوجه منه إلى بريء مخافة ، وإن عرضت شبهة درأ بها ( 157 ب ) الحدّ ، وأجرى الأمر فيها على ما يشهد له بسلوك سنن القصد ، وقد جعل الله تعالى هذه الأحكام حدودا إكبارا لأمرها وإضراما لجمرها ، ونسب متعدّيها إلى الظّلم تحذيرا من التّفريط فيها وتبصيرا لمن تقدّم على ما يخالف المعدلة وينافيها ، فقال : وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [ 1 ] . وأمره بإقرار الشّهود الموسومين بالعدالة [ 2 ] على ما هم معدّون بإزائه ، ومعتزّون بانتماء مقصدهم فيه إلى الصّحة واعتزائه ، فمن كان منهم سالكا واضح الجدد ، ومالكا من زمام التوفيق ما عاد عليه بقوة المنّة والجدد ، زاده استمالا يحلو له جناء ما غرس ، ويحدو على إدامة كلّ ما حفظ به قانون الاهتداء وحرس ، ومن لاح فيه ما يوجب إيقاظا من حادث وسن ، وتنبيها على متابعة ما شرع فيه كلّ ذي سنن قويم وسنّ بصره رشده وصوّر له ما ينبغي أن يقف عنده حتى لا يزلّ ( 158 أ ) له في الزمان قدم ، ولا يزول عنه سمة خرج بها اسمه إلى الوجود من العدم ، فيكون الكلّ تحت كنف الإرعاء وادعين ولأنفسهم عن كلّ ما يجلب أسباب الاستزادة وادعين ، وإن صحّ على أحدهم ما يقدح في عدالته ، ويقتضي تقديم الأمر في إبعاده من مقرّ الشّهادة وإزالته ، طالع بحاله واستأمر في إسقاط حكمه وإبطاله ، ليوعز إليه في المعنى بما يسارع على ارتسامه وامتثاله ، وأن يتخيّر من يجوز قبول شهادته من بعد ، ومن يحوز لكلّ خلّة لم تخل من الحمد ، ولم تعد حتى لا يرقى إلى هذه الرّتبة إلّا من تخصّص برشيد الضرائب وذبّ عن دينه بتقى ممتدّة الذوائب ، ومن يعرف للشهادة حقّها ، فيوفيها إياه ، ويعزف بنفسه عن مطمع .

--> ( 1 ) سورة النساء : 135 . ( 2 ) في الأصل « يراه » والصواب ما أثبت لأنه مجزوم . ( 3 ) إشارة إلى الأصول الشرعية الأربعة ، وهي القرآن ، والسنة ، والإجماع ، والاجتهاد . انظر : الماوردي ،